قراءة .. في المشروعات الاستيطانية الاسرائيلية : د . لطفي زغلول
كتبهالطفي زغلول ، في 19 حزيران 2009 الساعة: 11:22 ص
قراءة .. في المشروعات الإستيطانية الإسرائيلية
www.lutfi-zaghlul.com
إن حمى المشروعات الإستيطانية أيا كان الهدف منها ، سواء تلك الجديدة ، ام تلك التي يدعى أنها تأتي في نطاق ما يسمى النمو الطبيعي للمستوطنات ، تؤكد جميعها على عدة حقائق . أولاها أن حكومات اسرائيل لم تتخل ولن تتخلى تحت أية ظروف عن مشروعات الاستيطان . وثانيتها أن رؤية اسرائيل لأي حل نهائي تلتف على هذا الكم الهائل من المستوطنات التي تريد أن تجعل منها أمرا واقعا من خلال تغيير معالم خارطة الاراضي الفلسطينية جغرافيا وديموغرافيا .
وثالثة هذه الحقائق أن اسرائيل في اصرارها على مشروعاتها الاستيطانية ، انما تنطلق من منظورها العقائدي السياسي المتمثل في أن فلسطين من النهر الى البحر هي أرض اسرائيل الكبرى . وهو منظور دأبت سياساتها على توظيفه على أرض الواقع منذ اليوم الأول لاستكمال احتلال بقية الاراضي الفلسطينية في العام 1967 . ومن خلال هذا المنظور تتخيل إسرائيل أن الشعب الفلسطيني ما هو إلا مقيم على هذه الأرض وتابع ، لا يستحق أن تكون له دولة مستقلة خاصة به .
ورابعة هذه الحقائق أن اسرائيل – وفي هذه الاوقات بالذات ، وهي بالنسبة لها عصر انطلاق وتحرك ذهبي – تستمد قسطا وافرا لطاقة هذا الانطلاق والتحرك من ظروف دولية واقليمية مواتية لها جدا . فعلى الصعيد الدولي وتحديدا الولايات المتحدة التي تطالبها بتجميد بناء المستوطنات الجديدة ، وليس تفكيك المستوطنات القائمة . وجدير بالذكر أن الإدارة الأميركية الجمهورية في عهد الرئيس السابق جورج دبليو بوش الإبن ، كانت قد وعدت إسرائيل بالحفاظ على الكتل الإستيطانية الست الكبرى .
أما في عهد الرئيس الأميركي الديموقراطي الحالي باراك أوباما ، وفي خطابه الأخير في جامعة القاهرة ، فقد أكد على حقيقة مفادها أن على اسرائيل أن تتوقف عن بناء المستوطنات الجديدة ، أو توسيع القائمة منها ، ولم يشر كليا في خطابه إلى تفكيك المستوطنات القائمة . وهو بالتالي لم يشر إلى حقيقة أن هناك احتلالا اسرائيليا ، يرزح تحت نيره الفلسطينيون .
وفي ضوء هذا المشهد السياسي الاميركي الحالي ، فانه من المستبعد ان تمارس الادارة الديموقراطية في البيت الابيض أية ضغوطات فعلية على اسرائيل للطلب منها تفكيك المستوطانت القائمة . وهنا لا بد من الإشارة إلى أن إسرائيل قد اخترعت ما يسمى " البؤر الإستيطانية العشوائية غير القانونية " التي إن لزم الأمر سوف تسعى إلى تفكيكها ، موهمة العالم أنها تفعل شيئا فيما يخص تفكيك المستوطنات .
إن إسرائيل ، وبخاصة حكومتها اليمينية المتطرفة الحالية ، ترفض كل حديث عن مشروعاتها الإستيطانية ، ماضية بها في أراضي الضفة الغربية ، والقدس التي تشهد عمليات هدم واسعة لمنازل الفلسطينيين بقصد تهجيرهم منها وتهويدها جغرافيا وديموغرافيا ، وهي بذلك تتحدى كل من يطالبها بتجميد الإستيطان ، سواء كانوا الأميركيين أو الإتحاد الأوروبي ، لعلمها يقينا أن الضغوط الممارسة عليها ليست جادة كما يتصور البعض .
إن السياسة الاميركية اصلا منحازة الى اسرائيل انحيازا مطلقا تجلى في سكوتها عن الجدار الفاصل الذي أوشك على الإنتهاء ، ومعارضة قرار محكمة العدل الدولية الخاص بهذا الجدار في حينه ، ومواقفها الداعمة بشكل دائم لاسرائيل في مجلس الأمن .
وقد عبر عن استراتيجية العلاقة التاريخية المميزة الرئيس الحالي باراك أوباما . وقد كان وعد الرئيس السابق جورج بوش لشارون بالغاء حق العودة للفلسطينيين ، وتأييده عدم انسحاب اسرائيل من المراكز الاستيطانية الكبرى ، واعتبار الكونغرس الاميركي القدس عاصمة اسرائيل برهانا دامغا لهذا الانحياز ، أو بصحيح العبارة التقمص المطلق .
وإذا كنا قد تحدثنا بشيء من التفصيل عن مشروعات الاستيطان الاسرائيلي واهدفها ،
فإننا لن نغفل ما يدور في القدس من إعمال معاول الهدم المستمر في مبانيها التي تعود للفلسطينيين اصحابها الشرعيين . ومثالا لا حصرا فقد تم بناء 2200 وحدة استيطانية في زمن الحكومة السابقة . وفي زمن الحكومة الحالية هناك اوامر بهدم 800 منزل فلسطيني ، والحبل على الجرار .
اقليميا ، والمقصود هنا العالم العربي ، فالانظمة العربية لم تعد تملك من اوراق هذه اللعبة السياسية اية ورقة في ظل ما آلت اليه احوالها . فثمة الدول العربية الغائبة كليا عن ساحة القضية بكل تبعاتها . وثمة التي خرجت من دور المشارك الى دور الوسيط المحايد . وهذه وتلك تسيران في ركب السياسة الاميركية ، والجري وراء مصالحها الخاصة .
إن الأحوال المحزنة التي يمر بها المسجد الأقصى المبارك منذ احتلاله في العام 1967 لخير دليل على تغاضي الأنظمة الإسلامية عن نجدته بأية وسيلة كانت . وكأن الأقصى المبارك لم يعد يشكل المساحة الكبرى من تاريخها وعقيدتها وتراثها . لقد مر الأقصى المبارك بظروف قاسية ولا يزال ، وكأن الأمر لا يعني هذه الأنظمة بشيء .
فلسطينيا ، ليس ثمة فرق بين مستوطنة تقام هنا أو هناك . وليس ثمة ما هو شرعي أو غير شرعي ، فكله خارج على الشرعية أيا كان مصدره . ان الاستيطان بكافة اشكاله له معنى واحد ووحيد يتمثل في نزع ملكية فلسطين تدريجيا من اصحابها التاريخيين الشرعيين .
إن أية مستوطنة تقام على الأرض الفلسطينية المغتصبة وتلك المستوطنات المنوي اقامتها سواء في القدس أو في الضفة الفلسطينية ، وكل المشروعات الاستيطانية أيا كان موقعها ، تشكل في مجموعها خطورة متنامية وصلت حدها الأقصى على مجمل الأراضي الفلسطينية ، وفي القدس باعتبارها عاصمة الدولة الفلسطينية العتيدة ، والعاصمة الروحية التاريخية للمسلمين في العالم .
وها هو الجدار الفاصل الذي أخذ يشكل اطارا جامعا وحاميا للمستوطنات قد أطبق على القدس كما أطبق على غيرها . وها هي المستوطنات والتجمعات السكانية الاسرائيلية تحيط بها من كل حدب وصوب .
وكيف لا والعرب والمسلمون صامتون لا يتحركون . لكن الأنكى والأخطر من هذا كله تلك الاصوات الاسرائيلية التي سمعت مؤخرا وهي " تحذر " من امكانية هجوم متطرفين يهود على المسجد الاقصى يهدف الى هدمه وتدميره . والسؤال الذي يطرح نفسه بالحاح هنا : هل هو سيناريو معد مسبقا للاستيلاء على الاقصى المبارك وبناء الهيكل استكمالا لتهويد القدس ؟ . ان الايام القادمة حبالى ، ويخشى أنها تحمل في رحمها ما لا تحمد عقباه . وإذا كانت قد سمعت اصوات عربية تندد بالا ستيطان ، فهي اصوات خجولة لا تترقى إلى السقف المطلوب والجاد .
لقد نسفت حكومة اسرائيل كل المشروعات السلمية ابتداء من مؤتمر مدريد عام 1991 مرورا بأوسلو وكامب ديفيد و واي رفر والبيت الأبيض وطابا حتى خارطة الطريق التي تنص على وقف الاستيطان . الا أن هذا الاستيطان ظل هو العنصر الاساسي في السياسة الاسرائيلية . وتحت ظلاله أصبح من السهل الاجابة عن سؤال : الاستيطان .. الى أين ؟ . لكن الأهم من ذلك كله ان لا تصحو الانظمة العربية لا سمح الله متأخرة من غفلتها ولامبالاتها بعد أن يكون المشهد الاستيطاني قد اكتملت كل أبعاده .
د / لطفي زغلول – نابلس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























